المقتطف المصري
ملتقى شباب المؤرخين العرب - مجلة تاريخية ثقافية علمية تعني بتاريخ العرب والعالم وشتى ثقافاته وعلومه وحضاراته - السنة الثالثة 2009
وائل الدسوقي - حضارة الذهب "الملحمة النوبية بين المجد والانتصار"

قالوا عنها.. أنه لا شيء في عالمنا يعادل حلاوة صباحها وأمسياتها. إن استنشاق هوائها جزء من الرفاهية، بإمكاننا الرؤية فيها لدرجة القراءة على ضوء القمر دون مصابيح. في النوبة.. الهواء ساكن، أوراق الشجر لا تتحرك، لسنا بحاجة لطلب "السكون" فالطبيعة النوبية دائماً في نشوة. إذا قلنا أن الطبيعة هناك ساحرة، فإننا نظلمها. إنها فاتنة تفوق الخيال.

في عام 1819 كتب الرحالة "جون لويس بورخارت" John Lewis Burckhardt أو "سيدي إبراهيم المهدي الإنجليزي" كما أطلق عليه الجبرتي، ذكرياته عن النوبة التي زارها عام 1813. واستطاع بنجاح أن ينقل لنا معلومات غاية في الأهمية عن قبائل النوبة وأنشطتهم وطريقة حياتهم، حتى المعابد والآثار القديمة وشرح مفصل للتركيبة السكانية للنوبة.

إن كلمة "نوبة" هي اصطلاح حضاري يطلق على منطقة من وادي النيل يتكلم سكانها مجموعة اللغات النوبية. وكلمة "النوبة" مشتقة من الكلمة المصرية القديمة "نوب" بمعنى الذهب – وإن اختلف على تلك التسمية بعض العلماء – كما اختلفوا في تاريخ ونشأة لغات سكانها. وقد أطلق عليها ملوك مصر القديمة هذا الاسم لأنها كانت تمتلئ بمناجم الذهب والمعادن النفيسة. وقد أدى هذا إلى نزوح الكثير من سكان وادي النيل إلى جنوب مصر للاستفادة من ثرواتها، كما كان سبباً في تعرض بلاد النوبة إلى الحملات العسكرية منذ فجر التاريخ.

والنوبة جزء لا يتجزأ من وادي النيل وحضارته على مر العصور. وهي تقع في المنطقة الممتدة من الشلال الأول حتى الشلال الرابع، ويقسمها البعض إلى نوبة سفلى ونوبة عليا، أما السفلى فهي المصرية، وتمتد حوالي 325 كيلو متر من جنوب مدينة أسوان حتى الشلال الثاني عند وادي حلفا. أما النوبة العليا فهي من نصيب السودان. وفي عصور ما قبل التاريخ كان الجنس الذي يسكن في النوبة السفلى جنوبا حتى الشلال الثاني، يشبه تماما ذلك الجنس الذي يسكن إقليم مصر، ولم يكن من الممكن تمييز أي اختلافات بينهما في مستوى الثقافة العام أو اللهجات والعادات والشعارات المشتركة بينهما. على أن توحيد القطر الجنوبي والقطر الشمالي في مصر تحت حكم ملوك مصر القدماء في الأسرتين الأولى والثانية قد أعطى دفعة قوية إلى ثقافة القطر الشمالي التي كانت تفتقر النوبة إليها.

ومنذ ذلك الوقت، أصبح في الإمكان معرفة الفرق بين الثقافات المختلفة بين هذين القطرين، وأضحى ذلك واضحاً جلياً عندما ارتقت الحضارة المصرية ودخلت عصر بناء الأهرامات. أما النوبة فقد ظلت من الناحية العملية خامدة مجهولة فيما أخذت مصر تتقدم بسرعة. وبذلك أصبح التقسيم بينهما ظاهراً. ونتيجة لذلك أصبح المصري في الأيام الأخيرة من عصر الدولة القديمة، وكما نرى على المعابد مراراً وتكراراً أن النوبي كان يُعتبر بربرياً وغير متحضر بالنسبة لسكان الشمال.

النوبة في العصر القديم:

كان حكام مصر يرون أن بلاد النوبة مجهولة لابد من الولوج فيها والسيطرة عليها وإخضاعها، بغية الاتصال بالسودان والانتفاع بمنتجاتها وخيراتها. بيد أن رحلات أمراء ونبلاء جزيرة الإلفنتين المستمرة إلى بلاد النوبة قد جعلت الشعب المصري يتعرف تدريجياً على خصائص تلك البلاد الواقعة وراء الشلال الأول.

ولقد تغيرت كل هذه الأحوال أثناء الحقبة المأسوية التي أعقبت سقوط الدولة القديمة. ولم تعد مصر في مركز يمكنها من تأكيد حتى سيطرتها المعتدلة على المنطقة الواقعة جنوبي الشلال، والتي كان يسيطر عليها حراس باب الجنوب التابعين للدولة القديمة. وبالإضافة إلى ذلك، أخذ تغيير كبير يطرأ على سكان النوبة السفلى نتيجة لاندماج قبائل من أقصى جنوب إفريقيا الوسطى في الشعب النوبي. ووفقاً لذلك نجد في إبان عصر الدولة الوسطى حينما أصبحت مصر من جديد قادرة على تأكيد سلطتها وسيادتها، لم يعد للنوبة السفلى خيار سوى الاعتراف والرضوخ للمطالب المصرية في هذه السيادة. وكان ملوك الأسرة الثانية عشرة لديهم ما يكفي من أسباب القوة ما مكنهم من دحر القبائل الجنوبية التي حاولت الاندماج في النوبة، وإبقائهم بعيداً عن حدود مصر الطبيعية، ولم يستتب الأمر إلا في عهد الملك "سنوسرت الثالث" حيث امتدت الحدود بصفة دائمة حتى منطقة سمنة شرق وسمنة غرب فوق الشلال الثاني.

وحدث أثناء غزو الهكسوس لمصر أن انتهزت النوبة السفلى بطبيعة الحال ضعف مصر لاستعادة حريتها، وحينما بدأت حرب الاستقلال التي انتهت بطرد الهكسوس. نجد أن مصر قد اضطرت إلى القتال في جبهتين مختلفتين وخضعت لغزو النوبيين من جديد. بيد أن هذا الموقف التعس قد صحح تدريجيا على أيدي ملوك مصر الحربيين في الأسرة الثامنة عشرة، حيث نجد بحلول عصر أمنحتب الثالث أن الحدود المصرية قد امتدت جنوباً حتى نباتا عند الشلال الرابع.

وانتشرت الثقافة والفنون المصرية حتى شملت كل تلك المنطقة، ولكن ما لبثت أن انفصلت الولاية النوبية عن مصر أثناء حكم الأسرة الواحدة والعشرين الضعيفة. ولما ازدادت مصر انقساماً وأصبحت نهبة لصراع قاتل، قام "بي عنخي" أحد ملوك إثيوبيا بغزو البلاد كلها والتغلب عليها. وتحدثنا النقوش عن الكفاح المرير الذي قام بين المصريين والملوك الكوشيين، حيث رأوا فيهم العدو الخطير، مما اضطرهم إلى إقامة الحصون القوية على طول الطريق بين أسوان والجندل الثاني وزودوها بالحاميات، وحرموا على الزنوج أن يعبروا هذا الجندل إلى الشمال إلا في حالات التجارة فقط.

ومنذ عصر الدولة الحديثة انضمت النوبة العليا والسفلى حتى الجندل الرابع جنوباً إلى حدود مصر وأصبحت جزءاً منها، كما تأثرت النوبة تماما بالثقافة المصرية وتعبدت بآلهتها، وانتشرت المعابد المصرية التي كانت بمثابة مراكز دينية وثقافية. ولكن دوام الحال من المحال، فعندما قويت شوكة بعض النبلاء النوبيين في مطلع القرن الثامن قبل الميلاد، انتهزوا فرصة الاضطرابات والتدهور السياسي الذي حاق بمصر، وعملت على السيطرة الكاملة على جميع مناطق بلاد النوبة. ولم يكتف هؤلاء النبلاء بما حققوه ولكنهم امتدوا بأبصارهم نحو الشمال، وعملوا جاهدين لتحقيق حلمهم والاستيلاء على عروش المصريين، إلا أن دولة آشور بعد استيلاءها على مصر هزمت الملك "طاهرقا" الذي ولى هاربا إلى عاصمته الجنوبية "نباتا". وبعد أن تولى "تانوت آمون" ابن "طاهرقا" الحكم استطاع أن يجمع حوله المصريين في مصر العليا وزحف إلى منف وهزم الآشوريين، ولكنه هُزم في معركة أخرى وطرد من مصر لينتهي حكم النوبيين، الذين استقروا في نباتا ولم يحاولوا الرجوع إلى مصر مرة أخرى. واستمرت دولة نباتا لمدة ثلاثة قرون تشكل جزءا لا يتجزأ من تاريخ السودان القديم، ولم يلبث أن انتقل الحكم إلى مملكة "مروي" في سنة 300 قبل الميلاد.

وتحت حكم البطالمة، تغلغل الحكام في بلاد النوبة السفلى، وكانت سياستهم فيها تتلخص في الاحتفاظ بالمناطق الجنوبية التي أطلقوا عليها اسم "دوديكاشينوس"، وهي المنطقة التي تشمل مدن (دابود، تافا، كلابشة، جرف حسين، الدكة، كوبان، قورته، والمحرقة). ومن القصص الظريفة التي أوردها "ديودوروس" الصقلي، أن كهنة آمون في نباتا إذا ضاقوا ذرعاً بأحد ملوكهم هناك فإنهم يرسلون إليه رسولاً يخبره أن الإرادة الإلهية تحتم عليه قتل نفسه، وقد لقي بعض الملوك حتفهم بهذه الطريقة. وحينما حاول الكهنة تنفيذ هذا المخطط الخبيث مع الملك "أركامون" ملك نباتا، رد عليهم بطريقة انتقامية قتل فيها عدد كبير منهم.

وفي العصر الروماني، ساعدت النوبة صعيد مصر كثيراً حينما كانوا يثورون على الرومان، وقاموا بدورهم بعدة ثورات كبيرة وهاجموا فيها صعيد مصر وتغلبوا في بعضها على القوات الرومانية. ولكن القائد الروماني "بترونيوس" التقى بهم على رأس جيش عظيم وحاصرهم في قلعة "إبريم" واستولى عليها وطاردهم ودمر نباتا تماماً ونهب كنوزها وآثارها، ولكن النوبيين استعدوا بعد عامين، وقادت ملكتهم الشهيرة "كانديس" جيشا ليقابل القائد الروماني "بترونيوس" عند قلعة إبريم، ولكن عدم التكافؤ اضطر "كانديس" إلى طلب الصلح.

النوبة في العصر المسيحي:

كما علمنا انقسمت النوبة إلى قسمين سفلى وعليا، وكان دائما الاضطراب والقلق يأتي من النوبة العليا، وهي الجزء النوبي السوداني حالياً. أما النوبة السفلى التي كانت تلتصق بالقرى الأسوانية جنوباً فقد كانت في تيه بين هذا وذاك. وعم الاستقرار النسبي فيها عندما دخلتها المسيحية في منتصف القرن السادس الميلادي، وافتتح رئيس مطارنة أسوان معبد إيزيس بعد تحويله إلى كنيسة، وسرعان ما انتشرت الديانة المسيحية في المناطق الجنوبية وتحولت معظم المعابد المصرية في النوبة إلى كنائس.

وظهرت دولة مسيحية نوبية جديدة في مديرية دنقلة كان لملوكها سلطان قوي، وسيطروا على معظم مناطق النوبة السفلى، بل استطاع أحد ملوكها واسمه "مركوريوس" أن يشيد كنيسة كبيرة في مدينة "تافا" على بعد 42 كيلو متراً جنوبي أسوان. وتجمع الروايات التاريخية على أن دخول المسيحية بلاد النوبة قد تم عن طريق مصر، وتشير إلى أن دخولها كان مبكراً يسبق الإرساليات المسيحية الرسمية التي أرسلت في منتصف القرن السادس الميلادي، ومن ذلك ما يروى عن دخولها بلاد النوبة على يد المسيحيين المصريين في القرنين الأول والثاني للميلاد.

وكانت النوبة من ضمن البلاد التي لجأ إليها الرهبان المصريين فراراً من اضطهاد الأباطرة الرومان منذ عصر "دقلديانوس". كذلك كان الاختلاف المذهبي بين كنيسة الإسكندرية والكنيسة البيزنطية سبباً في اضطهاد المسيحيين، الذين لم يجدوا مفراً سوى الهرب إلى النوبة. ولكن النوبيين لم يتخلصوا من طبيعتهم الثورية المتمردة حينما ظلوا يهاجمون القلاع والمدن المصرية والكنائس والأديرة في فيلة وبعض القرى والمدن النوبية في القطاع المصري. وفي مقابل هذه الهجمات النوبية أمر الإمبراطور "ثيودسيوس الثاني" [408 – 450م] بالقيام بحملة عسكرية لحماية أسقفية فيلة. واستمرت الهجمات النوبية والهجمات الدفاعية ضدها مستمرة حتى سنة 543م حينما نجح "جستنيان" في استمالة النوبة إلى الدخول في المسيحية، وحينها تم نقل تمثال "إيزيس" إلى القسطنطينية لتبدأ صفحة جديدة مع النوبة.

الفن النوبي في العصر المسيحي:

تدل بعض المكتشفات الأثرية على انتشار المسيحية في النوبة بشكل واسع، بل وتظهر أن الرموز المسيحية في النوبة كانت مألوفة لديهم، كما تدل على تواجد المسيحيين وانتشارهم بالمنطقة. وفي مقابر الكيمان ببلانة وقسطل تم تزيين التحف التي اكتشفت فيها بزخارف مسيحية، وكانت على النمط الذي اعتدنا رؤيته في الفنون المسيحية في القرنين الخامس والسادس الميلاديين في المشرق المسيحي، ووضع الصليب على كثير من تلك التحف. ويمكننا أن نرجح أن معظم تلك التحف لم يتم تصنيعها في النوبة، بل تم إهدائها إلى زعماء النوبة آنذاك، وربما حصلوا عليها حينما كانوا يهجمون على بعض المناطق المجاورة لهم، إلا أنه مما لا شك فيه أن بعض هذه التحف تمت صناعته في النوبة، وكانت عليه لمحات من أرض النوبة.

كانت الزخارف المسيحية على تلك التحف عبارة عن تفريعات وضفائر عنبية، وأشكال آدمية تشبه كثيرا الرسوم الجدارية في منف. وهناك تأثيرات سورية على بعض التحف المكتشفة في النوبة، يرجح "محمد غيطاس" في كتابه (حملة اليونسكو – أضواء جديدة على تاريخ النوبة) أن هذا التأثير السوري أتى من خلال وجود صانع سوري كان يعيش في مصر. ومن المعروف تاريخياً أن السوريين والمسيحيين المصريين دافعوا عن المذهب المونوفيزيتي بعد انعقاد مجمع "خلقيدونية"، ونعلم أيضاً أن مدرسة الإسكندرية الهلينستية تأثرت بالفن السوري في النصف الثاني من القرن الرابع الميلادي، ويظهر هذا التأثير في المنحوتات والتصاوير الجدارية المسيحية.

كما وجدت المباخر وصناديق الخشب المطعمة بالعاج ذات التصنيع المحلي، وكانت تشبه كثيراً الفنون المسيحية في عصرها، مما يؤكد التأثير القوي للمسيحية في هذا الوقت. حتى في شكل المقابر النوبية لم نجد اختلافات كثيرة بين المقابر المسيحية والنوبية والتي اختلطت ببعضها البعض في بعض الأماكن من أرض النوبة، وهذا ما كشفته بعثات اليونسكو للكشف عن آثار النوبة في الآونة الأخيرة. وفي حفائر قصر إبريم تم العثور على أوراق البردي التي كتب عليها نصوص بالقبطية من القرن الخامس الميلادي. ويبدو من الوهلة الأولى أنه لا يوجد سوى تركيب محدود في زخرف معظم الكنائس النوبية. ليس هناك نموذج كنيسة زينت جدرانها بمناظر قصة متواترة أو أن يكون فنان قام بزخرفة كنيسة خلال فترة زمنية محدودة وفق خطة يمكن تتبعها. قد يقود هذا بسهولة للاستنتاج بأن الكنائس النوبية قد زخرفت بطريقة تدريجية عضوية، وصولاً إلى نتيجة. قد يصدق ذلك على أوضاع عدة، لكن في إطار العرض غير المنظم ظاهرياً للرسوم يمكن الكشف عن بعض النقاط المحددة. كذلك تكثر في الكنائس النوبية رسوم تصويرية لمريم العذراء المبجلة تبجيلاً عالياً في المسيحية النوبية، وعند بعض المسلمين فيها.

في القرن السادس وبداية السابع، عندما كانت الممالك النوبية حديثة عهد باعتناق المسيحية، كانت مصر في الظاهر قادرة على أن تكون مصدراً للتحفيز لجيرانها الجنوبيين. ولكن، تبدل هذا الوضع بالتدريج بعد تكوين المملكة النوبية المتحدة من منطقتي (المقرة ونوباديا، وكذلك الفتح العربي لمصر. مع ذلك نلمس تأثيراً مصرياً قوياً على النوبة حتى القرن التاسع.

الفتح العربي الإسلامي لمصر والنوبة:

بعد الفتح العربي الإسلامي لمصر، وبعد استقرار الأحوال، بدأ الحكم الإسلامي يتجه بأنظاره إلى الجنوب، وكانت المواجهة مع مملكة دنقله المسيحية عنيفة، ولكنها انتهت بعقد معاهدة في عصر الوالي "عبد الله بن سعد ابن أبي السرح" في عام 651م، وبناء عليها أطلق على حاكم تلك البلاد اسم "إمبراطور النوبة"، وأن تدفع تلك المملكة النوبية الجزية إلى مصر، والتعهد بحماية حقوق المسلمين المقيمين فيها. ومع تطور الثقافة المسيحية في المملكة النوبية المتحدة، واعتراف الكنيسة في مصر بخضوعها للحكام المسلمين، أخذت مصر في فقدان جاذبيتها نموذجاً. وكان القرن الثامن المتأخر والقرن التاسع فترة ازدهار بالنسبة للنوبة وفترة اضطراب سياسي متزايد بالنسبة لمصر.

في القرن التاسع أصبحت بيزنطة مصدر الهام جديد لأهل المقرة. وتمت استعارة الرموز والتعبيرات الخاصة بالسلطتين الدنيوية والدينية من الفن والبروتوكول البيزنطي كما وجدت طريقها إلى الأيقونية. أضحى المفهوم العام للدولة المسيحية، التي يحكمها ملك بصلاحيات دنيوية ودينية، سمة مشتركة بالنسبة لكل من المقرة وبيزنطة، في حين تم فصل الكنيسة النوبية في القطاع السوداني عن الدولة في مصر بصورة نهائية نظراً لخضوع مصر لحكم المسلمين. وحينها أخذ الإسلام ينتشر في النوبة رويداً رويداً من مصر نحو الجنوب، وبدأ المسيحيون يلتجئون إلى بلاد الحبشة، خاصة بعد أن قام أحد أفراد أسرة صلاح الدين بحملة عام 1173م وتوغل بها في بلاد النوبة واستولى على كثير من الحاميات والأراضي هناك، وفصل النوبة السفلى عن العليا وعمل الحدود بينهما. وهكذا أصبحت النوبة السفلى منذ القرن الخامس عشر الميلادي جزءاً لا يتجزأ من مصر، واعتنق أهلها جميعاً الإسلام.

قبائل النوبة العربية:

دعونا نبحث في المجتمع النوبي، ولسوف نجد أن هناك ثلاث قبائل كبرى رئيسية هي "العرب"، و"الكنوز" و"الفادتجدا"، ومن المعروف أن العرب كانوا يقطنون في وسط منطقة النوبة ويتحدثون العربية، وكانت توزيعاتهم فيما بين وادي العرب، السنقارى، شاترمة، المالكي، والسبوع. ولقد هاجرت إلى بلاد النوبة بعض القبائل العربية، من أمثال "بنو ربيعة، وجهينة، والعقيلات" وغيرهم، واختلطوا بالنوبيين ونشروا الإسلام وبعض الملامح المميزة له من قيم عربية إسلامية ملتزمة تمسك بها النوبي المصري عبر تاريخه الطويل فيما بعد.

وذكر "المقريزي" في كتابه (البيان والإعراب عما بأرض مصر من الأعراب) ما أفاد بأن القبائل العربية كانت منتشرة في بلاد النوبة بشكل واسع قائلاً: "وكان بصعيد مصر أولاد الكنز أصلهم من ربيعة بن نزار بن معد ابن عدنان، وكانوا ينزلون اليمامة، وقدموا مصر في خلافة المتوكل على الله أعوام بضع وأربعين ومائتين في عدد كثير وانتشروا في النواحي. ونزل طائفة منهم بأعالي الصعيد وسكنوا بيوت الشعر في براريها الجنوبية وأوديتها. وكانت البجة تشن الغارات على القرى الشرقية في كل وقت حتى أخربوها، فقامت ربيعة في منعهم من ذلك حتى كفوه، وكفوا المسلمين والعرب شرورهم، ثم تزوجوا منهم واستولوا على معدن الذهب بالعلاقى فكثرت أموالهم واتسعوا في أحوالهم وصارت لهم مرافق ببلاد البجة، واختطوا قرية تعرف بالنماس وحفروا بها آبارا. ورأَس عليهم إسحاق ابن بشرمدة ثم خالف على بعض أهله. وكانت عيذاب لبني يونس من ربيعة ملوكها عند قدومهم من اليمامة فجرى بينهم وبين بني بشر حروب -قتال داخلي- انهزموا فيها ومضوا من عيذاب إلى الحجاز ثم وقعت حروب بين بني بشر قتل فيها إسحاق فأحضروا إليهم من بلبيس الشيخ أبا عبد الله محمد بن علي بن محمد بن يوسف المعروف بأبي يزيد بن إسحاق بن إبراهيم بن مسروق وهو ابن عم إسحاق بن بشر المقتول.

وإلى مسروق هذا ينسب كنز الدولة حامي أسوان وأنشأ مكانه المعروف بساقية شعبان، ولم يزل رئيساً على رييعة حتى مات. فقام برئاستهم بعده ولده أبو المكارم هبة الله...، ولم تزل الإمارة فيهم وكلهم يعرفون بكنز الدولة، حتى كان آخرهم كنز الدولة فقتله الملك العادل أبو بكر بن أيوب في سابع صفر سنة 570 عندما خالف على السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب وجمع لحربه.

كان صاحب المعدن في زمن المسعودي المؤرخ 332 هجرية أبا مروان بشر بن إسحاق. قال "وهو من ربيعة، يركب في ثلاثة آلاف من ربيعة وأحلافها من مضر واليمن وثلاثين ألف حراب على النجب من البجة بالحجف البجاوية، وهم الحداربة، وهم المسلمون من بين سائر البجة، وباقي البجة كفار يعبدون صنما لهم" ونفهم من هذا أن ربيعة كان لهم خصوم من مضر واليمن كما كان لهم حلفاء من هؤلاء وأولئك أيضا، وكان من حلفائهم -غير مضر واليمن- طائفة من الحداربة، وهم حضارمة أصلا. والحضارمة يلحقون بنسب حمير بن سبأ، ولا يبعد أن يكون الحداربة عناصر شتى من أعقاب سبأ، كان منها قبيلة بلى، نزحوا إلى بلاد البجة قبل مجيء ربيعة بزمن طويل، يربو على ثلاثة قرون، وعندما صار لربيعة نفوذ في بلاد البجة، كان الحداربة قد توطنوها، وصاروا من أهلها، فعدوا طائفة من البجة. وفي عصر الفاطميين، تمكنت ربيعة وأحلافها أن يؤسسوا أول إمارة عربية في أرض المعدن بالعلاقي، وكانت أسوان مقراً لها، وامتد سلطانها جنوباً في أرض "مريس"، وكان زعيمهم حينئذ هو الذي أشار إليه المسعودي ووصفه بصاحب المعدن، أعني أبا مروان بشر بن إسحاق. وقد أقر الفاطميون هذه الإمارة الناشئة، واستعان الخليفة الفاطمي، الحاكم بأمر الله، بزعيم ربيعة في ذلك الحين في القبض على الثائر الأموي الأندلسي "أبي ركوة" وكان قد لجأ إلى الصعيد وهم بالفرار إلى بلاد النوبة.

وسر الحاكم بأمر الله، وكافأ زعيم ربيعة بلقب "كنز الدولة" وتوارث أبناؤه هذا اللقب. ولم تزل الإمارة فيهم، وكلهم يعرفون بكنز الدولة. ويبدو أن الأيوبيين حين قدموا مصر، وتعقبوا الفاطميين للقضاء عليهم، كانوا يتوجسون خيفة من إمارة كنز الدولة، ظناً منهم أنها تتشيع للفاطميين. فهاجم الأيوبيون بني الكنز، وهزموهم، وانسحب أكثرهم من أسوان إلى الجنوب. واتخذوا بلاد مريس مركزاً لنشاطهم، ثم عاودوا الهجوم على أسوان مرات عديدة حتى استولوا عليها بعد سنة 790 هجرية. وكانت لهم مع ولاة أسوان عدة حروب إلى أن كانت المحن منذ سنة 806 هجرية وخرب إقليم الصعيد، فارتفعت يد السلطنة عن ثغر أسوان ولم يبق للسلطان في مدينة أسوان أي ولاة". والجدير بالذكر أن من بني الكنز هؤلاء النواة الأولى التي تألف منها جماعة الكنوز الذين يعيشون في بلاد النوبة في السودان إلى يومنا هذا.

النوبة في العصر الحديث:

إن تاريخ النوبة في العصر الحديث يبدأ منذ غزا العثمانيين مصر في عام 1751 حينما انتصر السلطان سليم الأول على المماليك في موقعة الريدانية، وبسقوط مصر خضعت مصر وبالتالي النوبة للعثمانيين. وفي "صفحات من تاريخ النوبة" لأحمد سوكارنو ذكر أن السلطان "سليم الأول" عين حكاماً على النوبة، وأقام الحصون، ووضع فيها حاميات من جنود البوسنة، ومن سلالة هؤلاء لا يزال يوجد بعض النوبيين الذين يتميزون ببشرتهم البيضاء.

ومع ضعف الحكم العثماني خاصة في القرن الثامن عشر الميلادي زاد نفوذ المماليك الذين كانوا حكاماً للأقاليم (سناجق) في العصر العثماني، وكانوا حكاماً للبلاد قبل مجيء العثمانيين، وأعرف الناس بشئونها، فآلت إليهم أمور الحكم. وبتطلع هؤلاء إلى السيطرة عانت النوبة مما عانته مصر من اضطراب، نتيجة الصراع بين أمراء المماليك بعضهم البعض من ناحية، وبينهم وبين السلطة العثمانية من ناحية أخرى، خاصة في منتصف القرن الثامن عشر في الفترة التي سيطر فيها على مصر "إبراهيم بك ومراد بك" [1775 – 1798]. واستمر ذلك الاضطراب والنزاع بين زعماء المماليك على الحكم حتى كانت حملة "نابليون" على مصر عام 1798م.

وقد حرص علماء الحملة في بحوثهم ودراساتهم على كشف النقاب عن تاريخ وآثار بلاد النوبة، وبحثوا في مناخها وطبيعتها وحيواناتها وأجناسها وعادات أهلها. وجاءت دراستهم في كتاب وصف مصر الذي انتهى العمل فيه عام 1822م وتضمن دراسة عن النوبة والنوبيين وضعها العالم الفرنسي "كوستا" والتي تحدث فيها عن موقع بلاد النوبة الذي حدده بين مصر ومملكة سنار، وتحدث عن سكانها وميزهم عمن جاورهم من شعوب سواء مصر في الشمال وزنوج سنار في الجنوب والقبائل المتجولة حولهم في الصحراوات الواقعة شرق النيل وغربه، ووصف وسائل انتقال النوبيين وتجارتهم مع الدن المصرية الشمالية التي كانت تعتمد على المقايضة كما ذكر خضوع النوبة للسيطرة العثمانية. وكان النوبيون يؤدون للسلطان ضريبة من التمور والرقيق الذين كانوا يشترونهم من قوافل سنار، ولاحظ "كوستا" أنهم كانوا لا يسترقون مطلقاً رجالاً من أبناء جلدتهم. كما وصف طبائع النوبيين ومعيشتهم السلمية مع من جاورهم ولطافة معشرهم واستقامتهم، ووصفهم بالأمانة والإخلاص وتمسكهم الشديد بالدين الإسلامي مما جعلهم محلاً للثقة وتحدث عن ملابسهم وعاداتهم ولغتهم وقارن بينها وبين العربية. وتتابع المستكشفون والرحالة الى بلاد النوبة بعد الحملة الفرنسية، ومن تلك الدراسات الهامة تلك التي كتبها الرحالة السويسري "بوخارت" والتي ذكرناها في بداية موضوعنا.

وفي أوائل القرن التاسع عشر تحصن بعض المماليك في كثير من مناطق النوبة، إلا أن "إبراهيم باشا" أجلاهم عنها وشردهم وقتل بعضهم، لاستشعاره بخطورة وجودهم وتحصنهم في تلك المنطقة بالذات، لأنها تمثل منطقة حدودية عظيمة الحساسية بالنسبة للسياسة المصرية على مر العصور. فهي كانت وما تزال همزة الوصل بين منطقتين على قدر كبير من الأهمية، هما مصر في الشمال والسودان في الجنوب. وتطلع "محمد علي" لفتح تلك المناطق وضمها إلى السيادة المصرية، وكان ذلك لعدة أسباب من أهمها تجنيد أهالي النوبة نظراً لطبيعتهم الصلبة القوية، واتسامهم بالشجاعة والطاعة العمياء. وأثناء الكشوف الجغرافية التي قام بها الخديو "إسماعيل" كان عليه الاهتمام بتأمين النوبة، وإقامة معسكرات حدودية، ونقاط عسكرية لا تقل في أهميتها الموجودة في الشمال. والاستفادة من تجنيد شباب النوبة في الجيش المصري. وفى عام 1907 أجريت أول تعلية لسد خزان أسوان، ويرى "أحمد سوكارنو" أن هذا الأمر أفزع الكثيرين من علماء الآثار.

ولكن الحكومة المصرية عوضت الخسارة حينما اتخذت قراراً بإرسال حملة لتسجيل آثار النوبة والبحث عنها في كل المواقع القديمة المهددة بالغرق. وفي بحث رائع بمجلة أركامني "مجلة الآثار السودانية – 2001" بعنوان (علم الآثار والنوبة) أجريت عمليات مسح دقيق لكل الأعمال الأثرية المنظمة التي شارك فيها من علماء الآثار "جورج ريزنر" و"سيسيل فيرث"، كما كلف "ولتر إيمري" بعملية المسح المنظمة الثانية، حينما تقرر تعلية خزان أسوان للمرة الثانية في عام 1929م، وكانت المنطقة التي ستغمرها المياه حتى أدندان على حدود السودان مباشرة. وعثر في الثالث من نوفمبر عام 1931م  في أواخر عملية المسح على مدافن بلانة وقسطل.

وحينما بدأ التفكير في مشروع بناء السد العالي على بعد حوالي سبعة كيلو مترات جنوب خزان أسوان وجنوب قرية التنقار بكيلو متر فقط، قررت منظمة الأمم المتحدة للتعليم والثقافة والعلوم (يونسكو) تبنى نداء يهيب بضمير العالم، أن يسهم بالموارد العلمية، والفكرية، والمالية في الحفاظ على آثار النوبة المهددة. وتم إنقاذ معبدي فيلة وأبو سمبل وبقية معابد النوبة بعد أن غمرت بلاد النوبة القديمة تحت مياه البحيرة، وهجر سكانها إلى الشمال في مدينة كوم أمبو. بعد أن كانت مسرحا لتاريخ مجيد وممالك عريقة، كما نزح الكثيرون من أهالي النوبة إلى المدن المصرية ليعملوا فيها في أنشطتها مختلفة.
ويرى البعض أن بلاد النوبة بشقيها العلوي (السوداني) والسفلي (المصري) يمثلان وحدة جغرافية متميزة يسكنها شعب متماثل عرقياً وثقافياً واجتماعياً ولغوياً. ويستغل تلك الدعوات بوحدة الثقافة وتميزها عما حولها للدعوة بأن تلك المنطقة لها من مقومات الدولة ما يجعل لها حق الانفصال. ولكننا نرى أن ذلك ليس من المبررات القوية لتلك الدعوة، فكثير من دول العالم تحوي بين حدودها ثقافات كثيرة مختلفة عن بعضها لم يفكر أي منهم في مثل تلك النزعات، مثل الهند وإسبانيا والدول المتحدثة بالألمانية وكندا وبعض دول أمريكا الجنوبية وآسيا. وبينما كان السد العالي يسدل الستار على ملحمة نوبية مصرية، كان في الوقت نفسه يفتح باباً للعديد من الدراسات والاهتمام الدولي بالنوبة وآثارها وفنونها الشعبية ولغتها، والتي نبعت كما رأينا من تأثيرات مصرية وسودانية ووسط إفريقية وعربية وأوربية، مما شكل جانب ثقافي عربي مصري لا يمكن إهماله من قريب أو بعيد، وأنه يجب أن تتم الدعوة للمؤسسات الثقافية والعلمية الإقليمية للاهتمام الفعلي بتلك المنطقة التي كانت وما تزال جزءا هاماً من التاريخ السياسي والثقافي للمجتمع العربي، ويمكننا أن نقيم المؤتمرات ومعارض الكتاب والحفلات والاستقبالات الرسمية في جزر وقرى النوبة مثل جنة النوبة (جزيرة سهيل) التي تتسم بكل مقومات الطبيعة الخلابة الحالمة. وأنه يجب تشكيل بعض العوامل القوية لزيادة الاهتمام بالنوبة وتجميلها وإظهارها على النحو الأكمل دائماً. فضلاً عن ضرورة قيام الباحثين بإلقاء الضوء على تاريخ النوبة الحديث، وما تركه من تأثيرات في تاريخ مصر القومي.


أضف تعليقا

اضيف في 25 فبراير, 2009 02:42 ص , من قبل osamekh
من مصر said:

واللة كسوة انك اعترفت ان النوبة بلاد الذهب
عمك النوبى الكبير

اضيف في 25 فبراير, 2009 02:44 ص , من قبل osamekh
من مصر said:

ازيك ياابنى والله كسوه انك بتقول النوبة بلاد الذهب عمك النوبى

اضيف في 25 فبراير, 2009 09:19 م , من قبل waileldesoky
من مصر said:

النوبة بلاد الذهب بناسها وأخلاقهم
ازيك يا عمنا النوبي الكبير
ياريت تكون بخير
أخوك وائل



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
القائمة البريدية
قائمة المقتطف المصري البريدية
الإسم الكامل:
البريد الإلكتروني:
اشترك الآن
إلغاء الإشتراك