كانت الأزمة الاقتصادية التي اجتاحت العالم في عام "1929 - 1939" بمثابة طوفان مدمر أتي بتغييرات جذرية. إذ أنه نقل الولايات المتحدة الأمريكية والعالم من أكبر عقد زمني للازدهار الاقتصادي إلي عقد زمني آخر من الكآبة واليأس والقنوط. وقد كان الكساد الكبير في الولايات المتحدة أقسي من غيره في أي دولة أوربية أخري حتى أن البعض قد وصفه بأنه أشد هولاً ويأتي في المرتبة الثانية بعد الحرب من حيث آثاره الخطيرة على أي بلد.
كما كانت الأزمة الاقتصادية حادة وشاملة من جميع الوجوه فقد شملت القطاعين الصناعي والزراعي وامتدت إلي سائر دول العالم، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة. كما أنها أصابت جميع الطبقات.
وأثبتت أحدث الرسائل العلمية التي أعدتها الدكتورة "صباح البياع"[1] والتي تناولت الأزمة الاقتصادية العالمية في الثلاثينيات، أن الكساد خلق جواً مناسباً للحركات السياسية الجديدة لثورة الجماهير... فقد تحول العديد من ضحايا الكساد إلي الحركات البلشفية أو الفاشية أو الحركات السياسية المتطرفة التي وعدت الناس بمعالجة البطالة، وبإقامة أساس جديد للانتعاش القومي والرخاء المادي. وعمل على تنمية روح العنصرية الوحشية التي سادت في بعض الدول مثل الولايات المتحدة وألمانيا خاصة بين السود والبيض، حيث تصارع الطرفان للحصول علي الوظائف المختلفة.. لذا كان لزاماً على الدول الكبرى تبني برامج إصلاحية لمعالجة الوضع القائم آنذاك.
إن الصورة كانت مفزعة في مصر في فترة الكساد الكبير "1929 – 1939"، كان الناس يلتقطون قطع الخبز من القمامة، زادت نسبة الوفيات بين الأطفال وكبار السن، وأصبح الموت قريب من الناس جداً نتيجة الجوع وترشيد العمالة في المصانع وتقليل الأجور، وعدم قدرة الفلاح على شراء البذور أو عدم توفرها، وانعكاس انهيار البورصات العالمية على مصر، وزيادة أسعار النقل بشكل كبير وزيادة أزمة الطاقة التي كان لها عوامل في زيادة حدة الأزمة، فضلا عن وجود المحتل البريطاني الذي زاد الأمر سوءاً وهو يستنزف ثروات مصر وقوة أبناءها.
كانت الصورة مفزعة بحق، ولكن...
هل الأمر الآن (2008 – 2009) أقل فزعاً...
هناك أزمة طاقة وارتفاع أسعار مصادرها، كذلك أزمة الغذاء العالمي (ارتفاع أسعار القمح والدقيق والحبوب، ...)، فضلا عن أزمة البورصات العالمية.
إن الأزمة في مصر خارجة عن إرادتنا لأنها انعكاس لأزمة عالمية، وفي المقابل يجب أن نعمل على عدم تفاقمها حتى لا تتكرر الصورة المفزعة للكساد العالمي في الثلاثينيات، لأن الاقتصاد العالمي الآن يختلف عن السابق فالاقتصاد العالمي حاليا مترابط، وسقوط أول طرف فيه يعني سقوط بقية الأطراف بالتتابع، وهكذا تكون النتائج أقوى وأشد عنفاً من أزمة الثلاثينيات.
وبإجراءات بسيطة يمكننا تجاوز نتائج هذه الأزمة، يجب أن نحدد أسعار السلع بدقة (لجان تسعير حازمة وقوية تعاقب من يتجاوز الحد في زيادة أسعار السلع ويتاجر بحياة الناس)، وتعيين رقابة قوية على أسعار النقل (محاسبة السائقين الذين يستغلون الظروف أسوأ استغلال ولا يهمهم ما يعانيه الناس وسط هذا الغلاء)، وغيرها وغيرها من الإجراءات.
يجب أن نراقب أنفسنا...
قبل أن نطالب غيرنا بحل الأزمة...
وقبل أن يبدأ الكساد الأعظم والأكثر فزعاً...








